١٧- إسلام كل شيء لله - الأمانة - إحساسات المادة
الإسلام لله وهو الخضوع الكامل لإرادته والرضا بقضائه هو المطلوب من كل الكائنات كيفما كانت درجتها في الخلق: جماد، نبات، حيوان، ملك وغير ذلك. وكلها تعلم بوجود الله وتسبح بحمده. قال تعالى﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾(٤٤-١٧) توجد إذن صلة بين الله وبين كل مخلوق وإن كان ترابا.
( كتاب تصنيف وتفسير آيات وفصول القرآن العظيم - فصل الله الواحد ١(٣) ١٨- فصل الله الحميد ١(٤)).
الأمانة:
كان الله وحده في زمن لا بداية له. ثم أتى زمن خاص به كان في علمه سبحانه أن يقع فيه ما كان في مشيئته وليبرز صفاته في خلقه ويكونوا معه إلى الأبد مع العلم أنه لا يحتاج لوجودهم. فهو غني عن العالمين. ومن أعظم ما أراد تجلي صفة حبه وكل صفاته كما رأينا. لكن الحب يحتاج إلى التبادل الحر بين المتحابين. لذلك أراد أن يمنح لخلق من مخلوقاته حرية الاختيار والتصرف لكي يعقد معه عقدة على هذا الأساس. وقبل ذلك أعطى لكل خلق حرية قبول هذه الحرية أو رفضها. فقبلها الإنسان بطبيعته إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فهو يحب طبعه الذي خلقه الله ولا يريد ولا يطيق أن يكون مسيرا في كل أعماله ويحب مواجهة التحديات.
ولكي يطبق الله هذا الأمر خلق السماء الدنيا أولا وجعلها خليطا بين المضادات، بين الجميل والقبيح، بين ظواهر الجنة وظواهر جهنم. واستمر ذلك بأمر الله ملايير السنين قبل أن يخلق السقوف السبعة. وأبت كل السماوات وكل الكواكب وكل الجبال أن تقبل حرية التصرف في ما تقوم به في هذا الخليط مقابل حساب الله. وأشفقن منها لما فيها من عظم المسؤولية وخطورة العاقبة. وهذا يؤكد أن لهن إرادة وإحساس لأنهن أشفقن من العاقبة. واخترن أن لا يكون في " طبيعتهن " إلا الطاعة. ولو أمرهن الله بحمل الأمانة لحملنها طبعا.
والأمانة هي أمانة الله. وسميت أمانة لأن على حاملها أن يرعاها حق رعايتها كما أراد الله ويرجع بها سالمة إليه يوم الحساب. أي يرجع بقلب سليم مما يبغضه الله، أي دون كفر أو شرك أو عصيان. ويتفاوت الناس في هذا المجال. فهي إذن ما أراد الله أن يودعه في خلق من خلقه إلى يوم الدين يجعله مؤتمنا على نفسه فيما يخص الإيمان بالغيب وإطاعة الله بذلك. فهي في قلب كل إنسان بها تكون له حرية الإيمان والأعمال بالغيب. وحسن عاقبتها هي حب الله وهو درجات. أي خلاصة خلقت الدنيا لأجل الإنسان وخلق الإنسان لإظهار حب الله مع صفات أخرى. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة لكنهم في هذه الحالة لا أحد فيهم سيستحق حب الله. وبالتالي لن يظهر حبه في الوجود. لكن أراد أن تتجلى كل صفاته في خلقه بما فيها حبه. ولولا ذلك لما خلق أي شيء.
كل إنسان في كواكب أخرى قبل بطبيعته حمل أمانة الله قبل آدم. وبنو آدم إضافة إلى ذلك أشهدهم الله على أنفسهم أمام آبيهم « ألست بربكم » حين أخرجهم من ظهور آبائهم. ولا أحد منهم أنكر. وكان ذلك تأكيدا منهم سيظهر لهم بكل وضوح يوم القيامة لكيلا يقولوا يومها أنهم كانوا غافلين عن ذلك كما جاء في القرآن. لقد شهدنا ونحن واعون تمام الوعي. لكن الله محا ذلك من ذاكرتنا وسنتذكره حتما يوم الحساب. فما دام الله قال ذلك فذلك وقع بالتأكيد ومحاه عنا لأجل الإيمان بالغيب.
بالتالي الإنسان يعلم أنه حر في كل ما سيحاسب عليه. أي في كل ما أمر به ونهي عنه. فالله طبعا لن يحاسب عبدا على شيء لم يكن أعطاه حرية الاختيار فيه. وهو لا يظلم أحدا ولو مثقال ذرة. وسبحانه يكتب لك وعليك أي ما يفيدك وما يسيئك كالأرزاق والآجال والمصائب التي من فعله أي كل ما هو خارج عن إرادتك. لكن لا يكتب لك أو عليك اختياراتك طبقا للميثاق الذي بينك وبينه. لكن كتبها مسبقا كما أنت ستفعلها بإرادتك وذلك فقط لعلمه بما سيقع لا لإجبارك.
وجعل لك حرية كاملة لكن لا تتعدى قدراتك وظروفك. لا يمكن لك مثلا أن تختار أن تطير بقدرات جسمك في الهواء لأن لا قدرة لك على ذلك. وخلق الله أنواعا كثيرة من الإنس نوعا بعد آخر. كل نوع حمل جزءا من الأمانة على حسب قدراته وظروفه. حمل جزءا أكبر من الذي حمله النوع الذي سبقه. وبنو آدم حملوا الأمانة كلها. أي حملوا كل الأجزاء. كل جزء تقابله أنواع معينة من الابتلاءات التي تختبر الصبر والشكر لله وأنواع من الشرائع والتكاليف. وبخلق هذه الأنواع المختلفة من الإنس يتبين أن الأمانة لا تهم فقط الإيمان أو الكفر ولكن أيضا تحمل مختلف التكاليف والابتلاءات (أي لا يكفي أن توقن بوجود الله بل أيضا أن تطيع كلماته وتصبر على قدره).
والأمانة تمنحك درجة معينة في الآخرة من حب الله أو بغضه حسب قدراتك وظروفك وحسب حملك لها. فالأنواع الأخرى من الإنس سيكون لها مقامات أدنى من مقامات بني آدم. بنو آدم خلقهم الله في الوسط والآخرون أبعد منهم عنه وهم درجات متعددة. أي أتقى مؤمن منهم سيكون أدنى من أتقى مؤمن من بني آدم. بل منهم من جبل على الإيمان وبالتالي حب الله لهم أقل من حب الذين عليهم الإيمان بالغيب. أنظر أيضا الجن وباقي أنواع الإنس تجاه الأمانة في الفقرة ٤٣أ.
وبنو آدم أيضا درجات حسب ظروفهم. فأتقى مؤمن من أهل الكتاب سيكون أدنى من أتقى مؤمن من أمة محمد ﷺ. هذا يعني أن الأمانة التي تحملها أمة محمد ﷺ أكبر من التي يحملها أهل الكتاب. لذلك الله يدعو مؤمني هؤلاء لاتباع النبي ﷺ لكي ينالوا حب الله أكثر في الآخرة. ولقد فصلت في موضع آخر أن أمة محمد ﷺ ستحتل الثلثين العلويين من كل طبقة في جنة الخلد، والثلث الأسفل من كل طبقة هو للملل الأخرى.
أما عن الإيمان فهو بإذن الله. والأنواع من الإنس التي جبلت على الإيمان سيكون مصيرها في أطراف جنة الخلد المخصصة للثقلين. فلا إذن هناك إذن من الله للإيمان. وبالتالي لا أجر لهؤلاء على إيمانهم وإنما سيؤجرون فقط على أعمالهم. ولا سيئات لهم لتدخلهم النار. أما الإنس الآخرون فلا بد لهم من الإذن. ويعطى بشروط. أي هؤلاء الإنس عليهم أن يهيئوا أنفسهم ليفوزوا بالإذن. وهنا يبدأ اختيار الإنسان باتباع الفطرة أو تركها. والفطرة هي أولا اجتناب الظلم والشر والفساد والعناد تجاه الحق والتكبر وكل الأخلاق الذميمة والمعتقدات الفاسدة كالشرك. فالله لا يهدي القوم الظالمين ولا من هو كاذب كفار أو مسرف كذاب ... الخ. بل يضلهم ولا يأذن لهم بالإيمان. ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء.
إن الإنسان قبل حمل الأمانة لكن الله لم يتركه وحده مع الاختبار الذي وضعه فيه بل يراقبه ويعينه إذا اقترب منه ويزيده إيمانا إن سعى إليه أكثر. لكن إن كفر يضله، ويعميه أكثر إن ازداد بعده عنه. وهذا كميثاق بين الله والإنسان الحامل لأمانة الله. رغم حرية الإنسان فهو لا يؤمن إلا بإذن الله تبعا لشروط ولا يزداد إيمانا إلا بإذنه وتبعا لشروط أيضا. أما الذي يكفر فلا يكفر بإذن الله بل يتركه الله يكفر ولا يأذن له بالإيمان. وفي هذه الحالة يضله الله بنفسه وكلما ازداد بعدا كلما أضله الله أكثر حتى يصل إلى النقطة التي لن يهديه الله إلى التوبة أبدا فيصبح كمن لا أمانة له. أي يخسر الآخرة بزمن قبل موته.
وفي الآخرة لا توجد أمانة. ستتبدل هيأة الإنسان الجسمية والبيولوجية والنفسية. وإذا دخل الجنة فلن يستطيع أن يفعل الشر لأن طبيعته لن يكون فيها إلا الخير وسينزع الله ما في قلبه من غل. أما إذا دخل جهنم فنفسه لن يكون فيها إلا الشر كما جاء في القرآن عن اختصامات أهل النار وطبيعتهم الشريرة.
إحساسات المادة:
وللمادة إحساسات أيضا كما قال جل وعلا﴿ فما بكت عليهم السماء والأرض ﴾ (٢٩-٤٤)﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾(٤٦-١٤)﴿ يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (٩٠-١٩) أن دعوا للرحمن ولدا ﴾(٩١-١٩) وهذه غيرة المادة على خالقها. ولو سلطها على الكافرين لدمرتهم. في الصحيح قال رسول الله ﷺ عن جبل أحد « هذا جبل يحبنا ونحبه ». والمادة يوحى لها أيضا كما قال تعالى عن الأرض﴿ يومئذ تحدث أخبارها (٤-٩٩) بأن ربك أوحى لها ﴾(٥-٩٩). وجعل بعضها ذلولة للناس﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ﴾(١٥-٦٧) وسخر السماوات والأرض وما فيهما لهم ( أنظر كتاب تصنيف وتفصيل آيات القرآن العظيم - فصل نعم الله على الناس ٥٢ ) كما يسخرهما عليهم إذا أراد معاقبتهم ﴿ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (٦-٦٩) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾(٧-٦٩). والمادة تخشى ربها﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾(٢١-٥٩) وقال عن الحجارة﴿ وإن منها لما يهبط من خشية الله ﴾(٧٤-٢) وسيتيح لها الفرصة لتعذيب الكافرين في جهنم﴿ تكاد تميز من الغيظ ﴾(٨-٦٧) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا. ﴿ وما أدراك ما سقر (٢٧-٧٤) لا تبقي ولا تذر (٢٨-٧٤) لواحة للبشر ﴾ (٢٩-٧٤)﴿ تدعو من أدبر وتولى (١٧-٧٠) وجمع فأوعى ﴾(١٨-٧٠)﴿ التي تطلع على الأفئدة ﴾(٧-١٠٤)
ومن إحساسات الحيوانات الغريبة نذكر بما قال النبي ﷺ عن الأموات في قبورهم « أما الكافر فيضرب ضربة تسمعها كل دابة إلا الثقلين »( عن أبي هريرة )

إرسال تعليق