٤٤- الساعة (9/114)
٤٤أ٢ذ- الخلاصة:
بعد ظهور الدجال وانتشار الظلم والكفر ثم نزول عيسى عليه السلام وانتشار العدل والإسلام ثم هلاك يأجوج ومأجوج بعد خروجهم سيبقى المسلمون وحدهم على وجه الأرض. ثم بعد موت عيسى سينتشر الكفر مرة أخرى. ثم تطلع الشمس من مغربها ويغلق باب التوبة إلى الأبد. ثم تليها الأشراط الأخرى (الدابة، الدخان، الخسوفات الثلاث، ثم قبل الفناء النار التي تخرج من قعر عدن.). فنزول عيسى سيكون آخر فرصة للناس خصوصا اليهود والنصارى للرجوع إلى الله ودينه الحق. ثم بعد تلك الأشراط (إلا النار التي تخرج من قعر عدن) يموت المؤمنون كلهم بريح طيبة ثم يبقى الكافرون الذين لا ترجى منهم أية توبة. وعليهم تقوم الساعة.
أما الخسوف المذكور في الحديث ( فقرة ٤٤أ) فخسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب والمؤمنون لا يزالون في الأرض. ونستنتج ذلك من حديث أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول : " سيكون بعدي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب " قلت : يا رسول الله ! أيُخسَفُ بالأرض وفيها الصالحون ؟ قال لها رسول الله ﷺ : " إذا أكثر أهلها الخبث " رواه الطبراني. ولو لم يكن فيها المؤمنون وهم الصالحون لنفى النبي ﷺ وجودهم يومئذ. المؤمنون كلهم سيموتون بريح طيبة بعد ظهور الأشراط المصيرية. وهذه الخسوفات إذن ستكون قبل موتهم بقليل وهي عقوبات عظيمة لم يحدث مثلها في زمن البشرية، كأنها ستنقص من عدد البشر ليستقر من بقي في ما أراد الله من أرضه، كأنها استعداد لتلك النار التي ستخرج من اليمن وتسوق من بقي من الناس إلى محشرهم وهم كلهم كفار يومئذ. وبالتالي هذه الخسوفات من أشراط الساعة المصيرية لأنها عظيمة كطلوع الشمس من المغرب والدخان. أي آيات لما يراها الناس سيؤمنون مباشرة لكن ذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
ثم بعد ذلك فقط وبعد موت كل المؤمنين تخرج النار من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس يومئذ تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا ( فلا يليق أن يكون المؤمنون موجودين حينها والنار تطردهم وتحرقهم ). هذا يعني أنها تتوقف بأمر الله ليلا ووقت القيلولة. ومصدرها من حمم باطن الأرض التي ستشق سطحها بداية من قعر عدن أو من قعر بحر حضرموت (بحر العرب). فالأرض في النهاية كما جاء في حديث الصور ستتصدع من قطر إلى قطر يوم الفناء. وهذه النار ستشير إلى بداية التصدع. وبما أنها ستحشر الناس من المشرق إلى المغرب كما جاء أيضا في الحديث فهذا يعني أن تصدع الأرض سيسير في ذلك الاتجاه أي عكس دوران الأرض حول نفسها. والناس الذين سيرونه سيفرون إلى جهة مغرب الشمس. ويبقى التصدع يدور حتى يشمل محيط الأرض كلها. لكن سيكون مكان آمن مؤقتا وهو الشام كما قال النبي ﷺ: " عليكم بالشام " في حديث رواه أحمد والترمذي: « ستخرج نار من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا يا رسول الله: فما تأمرنا ؟ قال ﷺ: عليكم بالشام ». قيل إنها سالمة من وصول النار إليها لحفظ الملائكة إياها. جاء في مسند أحمد أنها أول أشراط الساعة. وربما المقصود أول أهوالها اللهم إن كان يقصد النار التي تخرج من الحجاز. فلا ننسى أن حديث أشراط الساعة المشهور يوضح تماما أن آخر ذلك أي آخر الأشراط نار تخرج من قعر عدن. وذلك طبعا أيضا من أعظم الآيات التي لا تقبل التوبة حينها. فباب التوبة سيكون أغلق منذ زمن. وستكون الشام محشر الناس قبل الفناء. ومن لم يلجأ إليها احترق. والمحشر هنا إذن ليس أرض المحشر المبدلة وإنما المكان الذي سيجمع ويستقر فيه الناس الذين نجوا ولجأوا إليه ليروا كلهم مجتمعون أهوال الفناء حتى ينفخ في الصور. فالأرض ستتصدع من قطر إلى قطر. وهذه أهوال مرعبة إلى أقصى درجة.
وستظهر علامات أخرى كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد :عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال « تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول من صعق قبلكم الغداة فيقولون صعق فلان وفلان وفلان ». وأول الأمم ستهلك أمة الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه ( في حديث رواه الحافظ أبو يعلى ). وهناك نار أخرى من علامات الساعة لم يذكر فيها الحشر ذكرت في حديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: « لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى ». فهي نار عظيمة وعالية تظهر في الحجاز ولا تسير وستنطفئ بدون شك والله أعلم.
والأزمنة بين الأشراط ليست متساوية. بعضها قصير كما بين ظهور الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج. يمكن أن نقول أنهم سيكونون في نفس القرن أو تقريبا. وبعض آخر من هذه الأزمنة طويل شيئا ما. فقبل موت عيسى سيكون المؤمنون وحدهم في الأرض وكما قال أيضا سبحانه وتعالى عن أهل الكتاب في سورة النساء (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته)(١٥٩-٤). ثم بعد موته سينتشر الكفر مرة أخرى قبل أن تطلع الشمس من مغربها. ومعها سيقترب الوعد الحق المذكور في سورة الأنبياء. هذا الاقتراب كما سنرى سيكون في نصف المدة التي بين خروج يأجوج ومأجوج وساعة الفناء والله أعلم. وبعد طلوع الشمس من المغرب ستمر أجيال حتى يطغى الكفر ويزداد إلى أن يظهر الدخان ثم يكشفه الله. وتوبة الناس يومئذ لن تنفعهم. ثم تحدث الخسوفات الثلاث. ثم بعدهن يموت المؤمنون كلهم بريح طيبة.
ونفهم هنا أن هذه الخسوفات لن تكون قبل نزول عيسى لأن بنزوله سيعطي الله للناس آخر فرصة للرجوع إليه وإلى دينه الحق. وواضح لمن سيعاصرونها أنها ستظهر دون شك كأشراط للساعة. وكونها مدمرة لعدد كبير من الناس لا ينفع من بقي يومئذ وسمع عنها. أي لماذا سيدمر الله أعدادا كبيرة من الناس ويترك آخرين لإعطائهم فرصة للتوبة التي تعطى من المفروض للجميع ؟ لذلك لا تنفع التوبة حينها. فالخسوفات تلك إذن عقاب فقط والله أعلم.

إرسال تعليق